الرئيسية / أقلام / الإنسان انقلابي بطبعه(2)

الإنسان انقلابي بطبعه(2)

بقلم: محمد هلال الحسني
نعم، الإنسان انقلابي بطبعه، ففي آتون الشارع المغربي سقطت الأقنعة السياسية، وانكشف السيمولاكر . لقد تجلى بالملموس حجم الاستهتار الذي يتعاطى به السياسيون مع أحلام المغاربة ونضالاتهم من اجل الانعتاق من براتن الاستبداد والقهر والظلم… كما اتضح بالملموس ا المغاربة أدركوا في الواقع حتمية الصراع من اجل انتزاع حقوقهم و مطالبهم.
حركة 20فبراير،وسقوط قناع الإسلام السياسي
إذ كانت حركة الشارع الاحتجاجية ممثلة في حركة 20 فبراير قد خلفت للمغاربة مكتسبا جديدا قوامه، دستور 9مارس و حراكا سياسيا بأفق الملكية البرلمانية،فان الإسلاميين قد اثبتوا للمغاربة حنكتهم في مسح الطاولة table rase مرتين؛مرة أولى بإمساكهم عن التظاهر إلى جانب حركة 20 فبراير، ومرة ثانية باستحواذهم على السلطة ونكوصهم بتطلعات الشباب المغربي الى الوراء.
لقد أتقنت العدالة والتنمية الدور، و صنعت مشهدا فريدا في تدبير الشأن العام،اقل ما يمكننا وصفه به ،انه”بؤس سياسي”. اذ فضلت حكومة مابعد20فبراير الانقلاب على الشعب المغربي ومطالبه المتمتلة في الديموقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية…متنكرة بشكل فج لعوامل وجودها وشروط فوزها بانتخابات 2011,ونقصد بذلك حركة 20 فبراير،و أصوات الناخبين من الأتباع والمتعاطفين وما ترتب عن ذالك من ضغوط متعددة على المخزن السياسي الذي تراجع عن دعم الأصالة والمعاصرة لصالح الإسلام السياسي ممثلا في حزب العدالة والتنمية.
بل إن غياب الحس السياسي لدى هذا الحزب الإسلامي جعله ينخرط في لعبة قذرة أساسها إخراس صوت الشارع عبر مضايقة وتصفية وإجلاء نشطاء 20فبراير ومحاسبتهم إرضاء لنخبة الحكم الحقيقي في البلاد. فقد قايض العدالة والتنمية المخزن سياسيا،بان سمح له بإقحام الدين في السياسة،في مقابل زواج الاقتصاد بالسلطة السياسية.
ولعل الخلط الهجين بين هذه المستويات من بين ما جاهرت 20فبراير بضرورة القطع معه لما يكرسه من تمايزات اجتماعية وسياسية واقتصادية لا حصر لها، إلا أن ازدواجية الحزب الحاكم ومكره السياسي مكنه من مخادعة تلك الطموحات وفرض الأمر الواقع بطرق تدليسية غريبة عن مخيال المغاربة، فقد أوهم الجميع بمصداقية خطابه وممارسته السياسيين؛ أولا بتبنيه شعار محاربة الفساد بكافة أشكاله، وثانيا، ببعض المسلكيات التي سلكها بعض وزرائه كصعود الدرج عوض المصعد، ونشر بعض لوائح المستفيدين من الريع والتي كانت تطلع علينا كل مرة بجديد كوثائق ويكيليكس…وهي مسلكيات شعبوية بحكم إنها ليست مبادئ راسخة في نفوس القائمين بها، بقدر ما هي مزايدات سياسية من جهة ،وبروباغاندا إعلامية وانتخابوية من جهة ثانية.
لنقل إذن إن الحكومة الملتحية هاته لم تحقق أفق انتظار المغاربة في شيء، فعوض الانصراف إلى القضايا الحقيقية والمصيرية كتنزيل مقتضيات الدستور الجديد وفرض قوانينه كالمناصفة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز استقلالية القضاء…
عوض ذلك وغيره،اختارت هاته الحكومة معركة وهمية مع خصم مزيف، لتصفية حسابات سياسية ضيقة على حساب الزمن السياسي والذي تم هدره في متاهات مضللة تحوطها تماسيح وعفاريت ، وتؤتثها تبريرات واهية للفساد السياسي والمالي…وتضللها غطاءات ايديولوجية محضة كشعار “عفا الله عما سلف”…
ما يمكن الاعتراف به في الأخير هو أن بنكيران وحكومته، بقدر ما بدا مطواعا ولينا في تعاطيه مع ضغوط لوبيات الريع والفساد، وتلميذا نجيبا في تنفيذه لسياسة وامتلاءات المؤسسات المالية، بقدر ما ظهر على النقيض من ذالك عصيا ، عاقا و متجبرا إزاء قضايا الجماهير ومطالبها الحيوية والملحة من شغل وصحة وسكن وتعليم.
فكما يقول بول ريكور (إن السلطة الكليانية عندما تتغذى بالعنف تكون ظاهرة أكثر خطورة من ظاهرة الصراع الطبقي) وهذا هو حال العدالة والتنمية اليوم وقد ذاق مرارة تجربتها المغاربة من خلال القمع الممنهج لحركاتهم الاحتجاجية، والإحكام القضائية الانتقامية إزاء أشخاص عزل رفضوا منطق التحكم والإملاء…كل هذه التعسفات لا يمكنها كسر شوكة التمرد الجماهيري المعقلن والمناهضة السياسية الفعلية لهذا العبث السياسي الذي لا يملك أي سند واقعي.
فأدوات التحليل العلمي لواقعنا السياسي،عرت عن التقاطع المفضوح بين سياسة العدالة والتنمية اللاشعبية ومصالح الطبقة الحاكمة، وتبين أن البيجيديين ليسوا مجرد باجدة أو بوجاديين كما ساد الاعتقاد فترة معينة، بل هم تجار دين لا ينفكون يوظفون العقيدة الإسلامية لإشاعة الوهم و التمظهر بمظهر الإنسان المغربي البسيط الذي يتصيد سذاجة المغاربة ليفتك في الأخير بأحلامهم وأرزاقهم وبمستقبل أبنائهم،كما بدا بوضوح للمغاربة خبثهم الأخلاقي وكبتهم الجنسي وثوقهم لمراكمة الأموال والاغتناء عبر السلطة والتسلط على رقاب الناس، فهكذا إذن سقط قناع الإسلام السياسي تحت أقدام السلطة والجنس والمال، وبهذا يتعين على المغاربة الأحرار الثقة في الشارع ، فبالتمسك به تسقط الأقنعة تلو الأقنعة وينمحي الوهم وتنجلي الحقيقة.

شاهد أيضاً

رسالة الى الوطنيين في المخيمات

بقلم: محمد هلال الحسني من القيم النبيلة التي افتقد اثرها في الساحة الجمعوية مع مطلع …

0